في رحاب كنائس شبرا ...

on Thursday, April 13, 2017




في منطقة شبرا حيث الغالبية العظمي  للسكان مسيحيين.. 
الكنائس هي السمة المميزة للمنطقة .. 
ولا ابالغ حين اقول ان بين كل كنيسة وأخري .. كنيسة .. 
في شبرا لا نحتاج أن نؤكد ان الدين لله والوطن للجميع .. 

فقد نشأت وجيراني مجدي وسامية وآمال وفي المدرسة كان رفقائي عادل كميل وسامح عوني وسامح ميشيل ومارليز وماريان وكانت شقيقتي في مدرسة نوتردام  والآن ابنتي ترتاد مدرسة القديسة مريم.

 لم نستشعر اختلافاً الحقيقة .. وفي حصة الدين كنا نحمل كتبنا ونتجمع مع مجموعتين من فصول أخري لقلة عدد المسلمين فلم نستشعر اضطهاداً او كوننا أقلية .. 
حضرت احتفالات عيد الميلاد وغنيت مع الرفاق جوني وصمويل احتفالاً بميلاد السيد المسيح ..

ايقونات الشهيد مارجرجس والبابا كيرلس السادس والسيدة العذراء والسيد المسيح ولوحة الميلاد هي اول ما وقعت عليه عيني  في طفولتي .. 

في ٢٥ يناير وفي المظاهرات الاولي  كان لجواري  بهاء وزوجته دينا والعزيز مارمينا .. جرينا سوياً وتعرضنا للضرب سوياً ..وهربنا سوياً ..

و في مظاهرات ماسبيرو انضممت لمئات المتظاهرين المنددين بحرق كنيسة أسوان وسرت لجوارهم كتفاً لكتف وشهدت بداية المذبحة حين القي علينا العشرات الحجارة في كمين مدبر عند نفق شبرا.. 
شهدت علي سلميتهم وعلي عشرات العجائز والاطفال الذين اصيبوا غدراً بلا ذنب جنوه ... 
شهدت بأنهم لم يهاجموا الجيش كما اشيع بل قتلوا دهساً عن عمد ..
انا لم انس للحظة هذا اليوم .. 

ربما بعض الرفاق المسيحيين قد نسوا هذا الدم وهذا التاريخ .. لكنني لم أنس .. 

شهدت رعبهم من الاخوان .. والتفافهم وتأييدهم للسيسي رغبة في حمايته او اهتمامه ..
وشهدت العديد من الحوادث التي ألمت بهم وكان لإهمال الدولة دوراً فيها سواء بعهد مرسي او السيسي علي حد سواء .. 

كنت أدرك إنهم يعاملون كورقة رابحة يلعب بها الحكام بخسة متي أرادوا .. 
كل هذا تاريخ كان ركناً من وعيي .. 

اليوم وبعد التفجيرات الخسيسة التي نالت  الآمنين المطمئنين في دور عبادتهم .. 
أستشعر ألمهم وحزنهم وغضبهم ..
لا يوجد ما يكفي من كلمات تشرح أي صدمة تحدث حين يتم استهدافك في أكثر مكان تعتبره آمناً .. 

اليوم خميس العهد ... 
وهو ذكرى العشاء الأخير للمسيح مع تلاميذه وهو اليوم اللى غسل فيه أرجل تلاميذه ووعظ فيهم بأن يحبوا بعضهم البعض كما أحبهم هو وترك لهم وصيته ..

في المعتاد .. وقبل التفجيرات كان حرم الكنائس مؤمناً بسياج الحديد حولها .. والذي يمنع انتظار اي سيارة  وهو الامر الذي ضاعف عذاب قاطني المنطقة من الشوارع الضيقة أساساً لكن لم يلق هذا تذمراً أو غضباً بل تقبله الجميع برحابة صدر وسعة أفق مثالية رغم انه كان يشكل مشكلة بالفعل  ..
التواجد الأمني كان كالعادة من فرد او اثنين من الداخلية مع افراد من الكنائس علي الابواب .. وفي الكنائس الكبري لربما تجد ضابط وفردين آخرين ... 

اليوم قمت بجولة غير مقصودة في منطقتي وهالني ما رأيت .. 

الشوارع المحيطة بأي كنيسة مغلقة بالكامل في وجه السيارات والمارة علي حد سواء .. 
علي رأس أي شارع  يوجد فريق من كشافة الكنيسة بزيهم المميز يطالعون في أدب جم الهويات الشخصية لأي شخص يريد الدلوف او المرور بشارع مغلق .. 
لا استثناء لمخلوق سيدة. أو رجل فتي او فتاة .. شباب أو كهول ...
كافة الحقائب يتم الاطلاع عليها قبل السماح بالمرور .. اتحدث عن بعد لا يقل عن ٣٠٠ متر من اي كنيسة وهو أمر مفزع لو تخيلت اصلاً انك في منطقة تعج اساساً بالكنائس .. 

الملاحظة الثانية ان كافة فرق الكشافة يحمل قائدها أجهزة اتصال لا سلكية خاصة للتواصل .. 

الملاحظة الثالثة يزداد الأمر صرامة لو اقتربت من محيط الكنيسة .. وتقريباً الشارع الذي به بوابة الدخول محرم دخوله الا لو انت بطريقك لداخل الكنيسة نفسها وعليك وقتها ان تثبت كونك مسيحي أولاً .. 

الملاحظة الرابعة هو ان التواجد الشرطي ممثل في سيارة شرطة كاملة مسلحة بالكامل امام كل كنيسة لكن الملاحظ ان دورها يقتصر علي التواجد .. كان الكشافة يقومون بكل شيء بلا كلل أو ملل . 

كل ماسبق كان ضرورياً لندرك حقائق مجردة .. 

ان بغض النظر عن كل ما يقال .. فان شعب الكنيسة فقد الأمل تماماً في كفاءة الاجهزة الشرطية ولا يعول عليها .. ويلجأ الآن لحماية نفسه بكل ما اتيح له من وسائل .. 
لم أستسغ مطلقاً فكرة ان يمارس الأفراد ما يجب علي الشرطة النظامية فعله .. ليس دورهم ولا يجب ان يكون .. وهو ارهاص مقلق بأن علي كل فئة الاعتماد علي نفسها .. ذكرتني مشاهد اليوم بذكري كمائن مابعد الثورة في الشوارع والتي قام بها سكان كل منطقة للدفاع عن نفسهم ضد أخطار مجهولة . الفارق الوحيد وقتها اننا كنا صفاً واحداً .. الآن الحماية علي أساس عنصري بحت وهو أمر مقلق ..

لا أدعي الحظة اني الوم الأصدقاء المسيحيين علي خوفهم او قلقهم .. بالعكس أتمني لو وقفت لجوارهم أحمي وأدافع عنهم .. أنا أدعمهم بالكامل .. ليس أبشع من أن تستشعر عدم الأمان في أي مكان ..

حقاً فات أوان كل هذا بعد التفجيرات ... من ضرب ضربته انتهي بالفعل .. ولن يعاود الكرة الآن ..

إنما أكره وبشدة ان يدفعني فشل الدولة الذريع الي جو محتقن ومتوتر كهذا الذي نحيا به ..
أكره وبشدة كذلك ان يتم اختزال المصاب في زيارة عزاء يقوم بها رئيس الدولة للقيادة الكنسية في شكل نمطي لا يقدم أدني شيء للمصاب الفادح والجرح العميق في جدار أمن وعقل المسيحيين .

أكره وبشدة أن نظل جميعاً غير مدركين ان فشل هذه الدولة يطالنا جميعاً ويضربنا في مقتل .. 

رحم الله شهداء هذا الوطن ... يظل نهر الدم يجري لأننا لا ندرك بعد ان الخلاص يكمن في الحرية والعدل .

نوستالجيا - عن الدراما التليفزيونية 1 -

on Tuesday, April 4, 2017

في أيام لطيفة كالتي نحيا بها يصبح الإتجاه إلي الكتابة ترفاً ومغامرة غير محمودة العواقب ..
الفرار هو اسم اللعبة ..
يود المرء لو يفر من حياته بما يحب وبما يكره ..
وتسيطر عليه أجواء الإكتئاب المركب ...
وفي أوقات مماثلة لربما يصبح الهرب إلي النوستالجيا أمراً محموداً ..

يعرف القاموس لفظة (النوستالجيا ) بكونها لفظة يونانية مكونة من قسمين .. القسم الأول هو : النوست بمعني ( الشوق ) أو (الحنين )
والقسم الثاني هو : الجيا بمعني (الألم ) .
وهو بشكل عام مصطلح يعني الشوق إلي الماضي ويصف حالة متكاملة تشير إلي الألم الذي يعانيه المريض إثر حنينه للعودة لبيته  وخوفه من عدم تمكنه من ذلك للأبد
تم وصف ( النوستالجيا ) في البداية علي أساس كونها مرض أو شكل من أشكال الاكتئاب ... ثم أصبح مرادفاً لحالة الرومانسية بعد ذلك ..

بشكل عام .. عملية منطقة الأشياء وأن الماضي أفضل ليست ضرباً من الخيال .. فبالفعل ماضينا كان أفضل .. المعيشة والأوضاع الأقتصادية والعلاقات الأجتماعية بين الناس و حتي الأوضاع الثقافية والفنية كانوا أفضل .
نعيش حالياً واقعاً عملياً لما عرف في الفترة الفرعونية بإسم ( عصور الإضمحلال ) ..
حيث شهدت مصر إضمحلالاً في كافة أوجه الحياة وتراجعت مكانتها كثيراً جداً بما لا يقاس .. وحدث هذا مرتين ..
  المرة الأولي في نهاية الأسرة السادسة وحتي بداية الأسرة الحاية عشر حوالي 121 عام  2181-2055  ق.م
والمرة الثانية من الأسرة الثالثة عشر وحتي الأسرة السابعة عشر فيما عرف تاريخياً بحكم الهكسوس والتي أستمرت حوالي مائة عام . 1650-1550 ق.م
كان التردي المصري شاملاً كل مجالات الحياة سواء الأقتصادية أو التجارية او الثقافية او العسكرية او الفنية ..
اليوم بلا فخر تشهد مصر تراجعاً مماثلاً .. الفارق الوحيد والجوهري والمؤسي فعلاً .. إنها تحت حكم مصريين ( أو هكذا يبدو ) ..
في فترات الإضمحلال القديمة حكمت مصر بواسطة ملوك أجانب لذا كان طبيعياً ان يسود هذا التردي .. لكن اليوم .. !!!
==
في الفترة من الخمسينات وحتي السبعينات كانت السينما المصرية مزدهرة بشكل لم يسبق له مثيل .. ولقب هوليوود الشرق كان معبراً لكم وغزارة وجودة الإنتاج السينمائي المصري .
مشاركة الفنانين المصريين في أفلام عالمية كان أمراً مكرراً ومعتاداً .. الفنانين المصريين تألقوا بفعل حب العمل وبفعل الثقافة والألتزام تجاه مهنتهم وهو ما كان له مردود واضح .

عام 1960 شهد تأسيس التليفزيون المصري وتحول النمط بالكامل من المسلسلات الاذاعية التي غزت البيوت المصرية فترة الخمسينات والستينات إلي إنتاج مغاير تماماً يعتمد الدراما والإنتاج التليفزيوني كمجال جديد ..

وكالعادة تميز الإنتاج التليفزيوني المصري  أكثر ما تميز بحرفية المبدعين الذين كتبوا وأخرجوا وأبدعوا ولحنوا .. فلم يكن الإنتاج المبهر هو إسم اللعبة .. لكن الإبداع في كل زاوية من العمل الدرامي هو الأصل ..

فترة الستينات كانت بداية لإنطلاق مارد الدراما المصرية علي يد الرعيل الأول لمخرجي الدراما التليفزيونية
وبشكل عام لم يكن الأهتمام بإسم مخرج أو مؤلف العمل من أولويات المشاهدين .. لكن حقيقة نجاح الأعمال الدرامية وبقائها في الذاكرة الي اليوم يرجع وبالدرجة الأولي إلي حرفية الكاتب وبراعة المخرج .. ناهيك طبعاً عن براعة فريق العمل ككل والذي يعود الفضل في إختياره أيضاً لمخرج العمل .

كان نور الدمرداش (1925 - 1994) من الرعيل الأول لمخرجي الدراما التليفزيونية وصاحب علامات مضيئة في تاريخ الدراما المصرية تنوعت بين الدراما والتراجيديا والكوميديا ...
وكما تألق نور الدمرداش ممثلاً .. تألق مخرجاً .. وقدم للتليفزيون المصري مجموعة هامة من باكورة الإنتاج الدرامي للشاشة الصغيرة ..



مسلسل هارب من الأيام 1962 عن قصة الأديب الراحل ثروت أباظة والذي يعتبر من أهم الأعمال الدرامية التي قدمها عبد الله غيث و بلغ من نجاح القصة والمسلسل أن أعيد إنتاجه سنة 1965  كفيلم سينمائي من بطولة فريد شوقي .


وفي العام 1973 يقدم نور الدمرداش مسلسل مميز آخر من بطولة محمود ياسين ونيللي.. والذي شهد مولد نجم مصري جديد ألا وهو محمود عبد العزيز الذي قدمته الدراما المصرية كوجه جديد لأول مرة في مسلسل الدوامة .



في سنة 1976 وبعد عشرين عاماً من إنتاج فيلم إني راحلة عن قصة الكاتب االفارس يوسف السباعي يعيد نورالدمرداش تقديم الرواية في مسلسل درامي من بطولة محمود مرسي وزهرة العلا  مع كوكبة من الوجوه الجديدة كالمعتاد مثل ليلي حمادة ومحمد العربي ....



وفي عام 1978 يعيد الدمرداش تقديم رائعة نجيب محفوظ السمان والخريف في مسلسل من بطولة النجم كمال الشناوي ..


الملاحظ هاهنا في هذه المرحلة التبادل بين السينما والدراما التليفزيونية سواء في الأعمال أو في النجوم .. كذا الأعتماد علي أعمال ادبية رفيعة المستوي لكتاب وأدباء من الدرجة الأولي وهو ما كان يجعل تقديم النص الدرامي ثرياً بما يكفي لشد الانتباه للدراما المصرية ذلك الفن الناشئ آنذاك.

في العام 1979  يقدم نور الدمرداش مع رائد الفن المسرحي في الستينات عبد المنعم مدبولي والمطربة والممثلة هدي سلطان مع باقة الوجوه الجديدة هالة صدقي ومي عبد النبي .. المسلسل الشهير لا يا ابنتي العزيزة 1979 ..


المسلسل قصة وسيناريو وحوار الأديب والفنان التشكيلي والمخرج يوسف فرنسيس J
وهو صاحب مجموعة متميزة من الأعمال الدرامية والسينمائية نذكر منها : عصفور الشرق – المدمن – أبي فوق الشجرة
بشكل عام أغلب المسلسلات في هذه الفترة وأقصد بها فترة طفولتنا وصبانا ترتبط بشكل أساسي بمشاعر في الغالب لا تنسي لذا مجرد سماع إسم المسلسل أو موسيقاه يجعل  شلال الذكريات يتدفق وتسيطر علينا (النوستالجيا ) بشكل لا قبل لأحد به .
مسلسل لا يا ابنتي العزيزة يرتبط في ذهني بحزن عارم في الغالب J حيث لا اتذكر لحظات جيدة في المسلسل سوي في أول عشر دقائق من الحلقة الأولي J مع الأغنية الشهيرة : توت توت ..

التتر بالمناسبة من كلمات الرائع الراحل عن عالمنا قريباً سيد حجاب وغناء وألحان المبدع عمار الشريعي .

مش بتبطل لف الدنيا ولا هتبطل لف
ده اللي يبص لحال الدنيا يضرب كف بكف
***
دنيا بتلعب بينا الكورة، نجري نلف شمال ويمين
وحياتنا فيها فزورة، مين فينا اللي يحلها مين؟
دنيا غرورة ولا السنيورة أم ملاية لف
ده اللي فكر نفسه فهمها يبقى حقيقي اتهف
***
ساعة تكون حلوة وقمورة، وساعة تخلي القلب حزين
مين الأصل ومين الصورة فيكي يا دنيا البني آدمين؟
ساقية ودايرة وطالعة ونازلة وعمر الدمع ما جف
بس الدمعة وراها الضحكة ووسط الضلمة نجف
***
وحياتنا فيها مهدورة بين ضحكة وآهة وأنين
وقلوبنا التايهة معذورة، عيني علينا احنا يا تايهين



قدم نور الدمرداش أيضاً الجزء الثاني من المسلسل الديني لا آله إلا الله والذي شارك في أجزائه تقريباً أغلب نجوم الدراما المصرية علي اختلاف أجزائه .


كذلك قدم مسلسل السبنسة 1990 عن قصة الرائع سعد الدين وهبة ..


واقع الأمر إن نور الدمرداش كان غزير الإنتاج بالفعل  .. وقدم تقريباً كافة أنواع الدراما للتليفزيون .. حتي دراما السيرة الذاتية بدأها بمسلسل رائع عن رفاعة الطهطاوي  عام 1987 


نأتي تالياً لثاني قمة من الرعيل الأول لمخرجي الدراما المصرية ألا وهو : المخرج الراحل حمادة عبد الوهاب (1919-1986)
الذي قدم مجموعة مسلسلات متميزة  مثل :نص مليون جنيه (1971) والذي يعتبر المسلسل الأخير  لإسماعيل يس من أصل 4 مسلسلات درامية قدمها .. 


كما قدم مسلسل  أشياء لا ننساها 1972 بطولة نبيلة عبيد وهناء الشوربجي 


الخماسين  (1972) بطول أحمد مظهر وليلي طاهر وعمر خورشيد وكوكبة من الفنانين السينمائيين المصريين ..


ملك اليانصيب 1973 بطولة شكري سرحان وزيزي البدراوي وكوكبة أخري من نجوم السينما 


ثالث أعمدة الدراما التليفزيونية في جيلها الأول هو الراحل يوسف مرزوق ( 1928-1989) والذي قدم علي مدار حياته عدداً متميزاً من الأعمال الدرامية التي خلدها تاريخ الدراما المصرية وتاريخ التليفزيون المصري بشكل عام .. ويحسب له أنه أول من قدم المسلسل البوليسي في التليفزيون في سباعية الخاتم الماسي  ومن أعماله الناجحة الأخري 
 السفينة التائهة 1970 بطولة النجم الراحل يحيي شاهين وزيزي البدراوي وأحمد مرعي 

 ولسة بحلم بيوم 1980 من بطولة نور الشريف وسميحة أيوب وصفاء أبو السعود ... 


 ورائعة الأديب نجيب محفوظ  الثلاثية والتي أخرج منها  بين القصرين و  قصر الشوق 1987 - 1988



قدم لنا يوسف مرزوق الرائعة معالي زايد كممثلة شابة ووجه جديد في مسلسل عائلة الدوغري 1980 بطولة يوسف شعبان وعماد حمدي 



وكان التعاون مع وحش الدراما التليفزيونية في السبعينات حسن عابدين حتمياً فقدم له برج الأكابر 1987

 من الجدير بالملاحظة ان الدراما قد غزت وسيطرت علي خيال المبدعين المصريين بشكل جذب نجوم السينما للمشاركة فيها بقوة .. وهو ما منح فن الدراما المصرية ثقلاً وإهتماماً من المشاهدين ...

كان التليفزيون يتقدم بقوة منافساً الإذاعة المصرية بشكل لم يكن أحد يتخيله آنذاك . وكانت فترة السبعينات بالرعيل الأول من مخرجي الدراما المصرية بداية قوية ومتميزة لنشوء فن جديد يحمل بين طياته الكثير من التجديد والحداثة سواء للكتاب او الفنانين او المخرجين ..


حين يخلو العالم من أمي ...

on Thursday, March 19, 2015





كيف نستوعب خبر الموت !؟؟

كيف نتكيف ونتآلف مع أن أحد أحبائنا لم يعد موجوداً !؟ 

التفاصيل تؤلم اكثر مما نتوقع .. 

حين يبادرك أحد .. ربنا يجعلها آخر الأحزان .. هذا ببساطة لن يكون .. 

لقد بدأنا للتو متتالية من الحزن 

لن تكون آخر الاحزان لأن لدينا قائمة من الأحباء يشطب الموت أسمائها  واحد تلو الآخر 

٤٠ يوماً كاملة مرت علي وفاة والدتي ... وللمصادفة البحتة يتوافق اليوم الاربعون مع عيد الام .. ومع عيد مولدي .. 

في سنوات صباي وشبابي كان اليوم حافلاً فمن ذا الذي يمتلك ثلاثة أعياد في يوم واحد .. 

اعتدت منذ نعومة اظافري علي ابتياع هديتين لأعز من أمتلكت ..

جدتي ووالدتي ..

و لم يخلو الأمر من العسر .. فإلتزام الهديتين و التفكير العميق منعاً للتكرار والتشابه كان امراً بالغ الصعوبة ..

وتمر السنوات ليغيب الموت جدتي .. ويسقط عني إلتزام إحدي الهديتين ..

 صار الامر ايسر بهدية واحدة .. لكنه كان أكثر ألماً بدونها ..

عُكر صفو اليوم برحيلها...

ولم يعد أبداً بذات البهجة ... 

وتمر سنوات الدراسة .. وتنتهي .. وأفتقد مشاعر الرفاق الطيبة وإحتفالهم معي  .. ليفقد اليوم مزيداً من بهجته ... 

ومع زواجي عادت البهجة قليلاً وعادت الهدية الثانية .. وعادت الحيرة اللطيفة فراراً من التكرار والتشابه .. 

اليوم ... وبعد رحيل امي ... 

لا أشعر بأي شيء سوي حزن عميق ثقيل جاثم علي الصدر 

كيف يحيا العالم بدونك يا أمي !؟؟ 

أحاول صرف ذهني عن التفاصيل التي تقتل الروح .. بلا جدوي .. 

لن أقف متحيراً اليوم لأجل هديتك .. 

لن أستشعر لذة مفاجأتك ورضاك ... 

لن أعانقك .. 

لن أشتم رائحتك العطرة في أنفي .. 

رائحة الطيبة والحنو .. 

لن تلثم شفتاي يداكي مهنئاً .. 

رحلت با أمي وأنا لم أدرك بعد إنني فقدتك ... 

وأقف تائهاً مضطرباً اليوم .. 

أنا وحدي .. 

عيد مولدي الأول بدونك.... 

كيف يعيش المرء بدونك !؟؟؟

وكيف يحيا العالم بعدك ؟؟

قصر جدي ..........

on Sunday, September 1, 2013

من الكتب التي شكلت حجر زاوية في تكويني الثقافي .. رباعية الكاتب المسرحي مارسيل بانيول ( النثرية ) والتي صنفت علي إنها السيرة الذاتية للكاتب ..


نشرتها دار شرقيات في أربعة عناوين من القطع المتوسط : 
مجد أبي – قصر أمي – زمن الأسرار – زمن الحُب 




وكانت من أجمل وأعمق ما قرأت في حياتي ..

وتمنيت لو أمتلكت يوماً ناصية الكلمات وترف  التفرغ لعمل مماثل ..

فطفولة المرء عامرة بالكثير من تفاصيل الحياة التي تستحق  أن يفرد لها مساحة مكتوبة .. وأن يشارك متعتها آخرين ..

قيمة ذكريات الطفولة تكمن في عمق تفاصيلها  ولو إننا نمتلك ناصية القلم وقتها لكتبنا مجلدات فيها ..

==

نشأتي في منطقة ثرية بالتفاصيل ذات الطابع الخاص كحي – شبرا -  دافعاً قوياً لمشاهدات لن تتكرر ..

نشأت في بيت جدي الذي أحتل الطابق الأرضي من بناية  قديمة بنيت بحجارة المحاجر البيضاء الضخمة .. تلك التي تمنح المنازل تكييفاً طبيعياً في قيظ الصيف


والتي ظل بسببها السؤال يغمرني طيلة سنوات عمري .. لا أجرؤ علي إخراجه خشية زوال النعمة

كيف يتأني بمدخل بناية جدي ان يكون مثلجاً رطباً في قيظ الصيف ؟؟

بالأمس .. بعد سنوات من الإنقطاع وبعد سنوات طويلة من رحيل جدي وجدتي أحب خلق الله إلي قلبي – رحمهما الله -

زرت المنزل ..

المنزل الجميل الذي شهد نشأتي وتدرجي من الطفولة للشباب  .. بكل تفاصيله المحفورة في ذاكرتي .. بكل أشجان الفراق وألمه ..

طفقت أتجول في المنزل في صمت ..

أصطحبت معي طفلتاي .. فدوي ورقية .. عامداً متعمداً في الواقع لأري وقع المنزل السحري عليهن ..

كنت أكيداً من أن سحر المنزل سيلمسهن بكل تأكيد رغم الفارق الزمني الشاسع  .. ورغم غياب أجمل ما فيه ..

الجد والجدة ....

وتابعت بعيناي فدوي وهي تتجول في صمت  تنظركما نظرت يوماً  في عمرها للسقف العالي بإعجاب ورهبة ..

وعيناها تنظر إلي ذاك الجزء العلوي الأثير ( الصندرة ) الذي يجعل خيالك يسرح في كم الكنوز التي قد يحتويها ..

وتابعت رقية وقد أصابتها لوثة فرحة وحماس مفاجئة .. تنطلق من غرفة إلي أخري وعيناها تلمع بمتعة منقطعة النظير ..

وهي تلهث في سعادة من وجد عشرات الأشياء والأفكار ليفعلها لكن من فرط السعادة هي غير قادرة علي التحديد ( بماذا أبدأ )

وقع المشاعر ذاتها تسلل إلي قلبي يوماً لذا أنا مدرك وبشدة لسعادتهن ...

ورغماً عني ..

أنهمر شلال الذكريات ...

قبل أن أسترسل في السرد .. أعطيكم فكرة سريعة عن الشكل العام للمنزل .. شقة كبيرة فور دخولك من بابها تستشعر إنها دائرية بشكل ما ..

من موضعك علي باب المنزل تري كل أبواب الغرف .. وتعجز عن رؤية ما بداخلها في ذات الوقت ..

شكل نصف كروي او نصف قوس يمنحك ميزة الالمام بكل شيء ولا شيء في الوقت ذاته 

يتوسط الصالة الضخمة الواسعة كحلبة الحصان مائدة مستطيلة بثمان مقاعد ذا كسوة شمعية منقوشة بشكل محبب .

وتضيئها   ( لمبة نيون ) معلقة من جنزير حديدي  تساءلت طيلة عمري للحظتنا هذه : كيف يتم تغييرها إذا ما احترقت ؟؟

وبالمناسبة لم أشهد طيلة سنوات حياتي هناك إحتراق هذه بالذات ...

وفي ركن من الصالة ثلاجة ايديال معبرة عن الطبقة الوسطي في الستينات

وباب الي اليسار يفضي الي منطقة المطبخ والحمام و ( الصندرة ) الأثيرة إلي قلبي

الغرفة الأولي ليمين المدخل هي غرفة الصالون

 وبها الطاقم المذهب العتيد وبها ندخل الضيوف علي الفور ..

فلا مجال لتجول ضيف غريب بطول الصالة حتي يصل لغرفة الجلوس  في مواجهة المدخل مباشرة والتي هي أساساً للمقربين من العائلة ..

بالغرفة بلكونة صغيرة بشيش عملاق حقاً يمتد من الأرض للسقف

 وبالغرفة باب يفضي لغرفة جدي مباشرة لكنه لم يفتح أبداً حيث اغلقه جدي من جهته بمقعد وثير ومكتبة مصغرة .

 يوماً قص علي سبب وجود باب مشترك ... كي يتحرك الضيف أو جدي من وإلي الغرفة دون المرور بأي جزء في المنزل حفاظاً علي حرمته .

هذه الغرفة كانت دوماً ظليلة رطبة شبه مثلجة لأنها لا تفتح إلا في وجود ضيوف أو في حالة رغبة الأحفاد للهو .

غرفة الجلوس   .. هكذا إسمها وهكذا عرفتها .. هي الواقعة في منتصف الغرف وتحوي طاقماً أقل فخامة وبها نستقبل ضيوف العائلة من المقربين أو نجلس بها معاً

وبها ذات البلكونة الصغيرة ذات الشيش العملاق جداً  وابوابها مختلف عن بقية ابواب المنزل .. حيث مكون من باب منغلق من 4 أجزاء وزجاج ( مسنفر ) عكس بقية الأبواب المصمتة ... 


وقد شهدت تحول غرفة الجلوس لصالون والعكس مرات متعددة لسبب غير معلوم سوي التغيير غالباً ... لكن أصل الأشياء هو ما ذكرته .

الغرفة التالية لغرفة الصالون هي قدس الأقداس ..

غرفة جدي 


أكثر الأماكن بهجة ومتعة علي وجه الأرض

كانت غرفة جدي هي قدس أقداس المنزل

خاضعة كلية له وللأحفاد فقط ..

هم وحدهم لهم الحق في إرتيادها أي وقت يشائون وبأي كيفية يرونها ..

خصوصاً من يحتل رقماً مميزاً

كنت رقم اثنين علي  القائمة .. ثاني أكبر أحفاده ..والصبي الأول ..

ولعمري هي مكانة لا تدرك كم مميزاتها إلا حين تعيشها ...

كان رحمه الله منظماً إلي درجة الهوس .. لا يقبل تغيير موضع إبرة في الغرفة مهما بلغت درجة معزتك لديه . عليك أن تقبل بنظامه وتخضع له ...

قواعد بسيطة إن قبلتها فأنت حر تفعل ما تشاء

بطبيعة الحال أختلفت الغرفة كثيراً جداً في كل شيء .. وأحتلها اثاث آخر بنمط آخر هو أقرب للفوضي وعدم الاتساق ..

فقدت الروح .. وغادر صاحب المكان عرشه ...

رحمة الله عليهما ..

الغرفة احتوت نافذتين .. واحدة تطل علي شارع والأخري علي الشارع الآخر ..

واحدة فيهما زرع جدي أسفلها كل ما يمكنكم أن تتخيلوه من أشجار ونباتات حتي صارت ظلاً ظليلاً وواحة فعلية  كانت شجرة الموز المميزة بأوراقها الضخمة تصل لأرتفاع 6 أمتار حتي الدور  التالي  وكان موز هذه الشجرة صغيراً لا بحجم الموز الذي تعرفونه .. لكن مذاقه العسلي كان يغطي علي كل شئ ..

أضف لهذا الريحان واللبلاب وغيرهما .. كان مجرد فتح هذه النافذة منعشاً للروح بشكل لا يمكن وصفه ..

وكانت إحدي كنوز قدس الأقداس أن تحظي بشرف روي الزرع ... وهو أمر يتكرر مرة أو اثنين في الأسبوع .. وكان في عمري متعة لا توصف ..

نمد خرطوماً  طويلاً جداً من الحمام وحتي غرفة جدي ( ما يقارب من 10 متر  ) ونظل نروي الزرع حتي يكتفي ..

إمعاناً في الراحة النفسية .. مد جدي ( كنبة ) تمتد رأسها من النافذة وحتي منتصف الغرفة ..

وهي مثالية للتمدد أيام الصيف فالشمس لا تمس وجه الراقد هناك مهما كانت شدتها  

بجوارالكنبة منضدة مربعة صغيرة خلفها مقعد جعله جدي وثيراً بكم من الطنافس علي المقعد والظهر وكان يقضي وقته هناك في هوايته الأثيرة : تصليح الساعات ...

أعلي المنضدة لمبة نيون متحركة إماما ًوخلفاً بذراع حديدي علقت به سبحة جدي الضخمة ذات الخرز البني ..

لا توجد مقاعد أخري بالقرب  ..

هذا قدس أقداس ...

لا مجال لازعاج صاحبه ..

المقعد الآخر كان بجوار النافذة الأخري ... وهو للتعاملات اليومية

شراء بطيخ او خضروات او شيئاً ما .. هذه النافذة هي نافذة علي العالم الخارجي من قدس الأقداس  ..

وعلي نسق النافذة الأولي لها مهمة أخري في إسعاد الأحفاد وذلك بجعلهم ( يرشوا الشارع )

وهو شرف نبيل آخر لا تناله إلا لو كنت محظوظاً وبشدة ..

السرير يحتل الجانب الأيسر من الغرفة لجوار المائدة وهو سرير تقليدي جداً من هذه الحقبة ..يعلوه جهاز راديو عتيق صمم لتشغيل محطتين فقط : إذاعة هنا القاهرة .. والقرآن الكريم ..

كنت علي يقين ان مصر لا تمتلك أية إذاعات سوي هاتين الاذاعتين وكنت أكره وبشدة إذاعة الشرق الأوسط التي توقظني بها أمي صباحاً 

وعلي النقيض كنت عاشقاً لطريق السلامة .. وكلمتين وبس .. وحبايبي الكتاكيت ...

جوما قبل ذهابي للمدرسة وعروجي علي جدي صباحاً ...

نعود للغرفة ..

بجوار السرير معلق عشرات (  المنشات )  وهي اداة لطرد الذباب – ان كنتوا لا تعلموا ...


وكعادة جدي التنظيمية .. كانت منشة رقم واحد لقتل الذباب ..

بينما رقم 2 لابعاده فقط ..


وكان لجدي في ( المنشة ) مآرب أخري حيث كان ينفض بها التراب اوبنظف بها اوراق الزرع برقة او يداعب بها الأحفاد

دعك من كونها أستخدمت لقتل آلاف الذبابات قبلأً .. كان هذا ممتعاً فلا تفسدوه بملاحظة مماثلة ... :)
وعلي الحائط المجاور للسرير .. ثلاث صور مرسومة لجدي وجدتي ووالدتي ( الأبنة الكبري ) 
كانت الصور المرسومة بديلاً عن الصور الفوتوجرافية آنذاك ..
وكانت الصور تمثل جدي وجدتي في شبابهما .. 
الفارق الوحيد بين صورتيهما وصورة والدتي .. أن من رسمها كان موقع بالأنجليزية . وهو ما جعلني أفخر  بشكل أو آخر :)
 صورة جدي وجدتي ينطقان بريفية واضحة سواء في الملامح أو الخطوط نفسها  .. وهو ما كان مثار تعليقاتنا جميعاً ..
وفي الواقع كان فناناً فاشلاً .. فقد كانا أجمل كثيراً  :)

وبشكل عام .. كل الفتيات في فترة الستينات والسبعينات كان يشبهن بشكل مدهش سعاد حسني او نجاة الصغيرة :) إنها الموضة غالباً ....

الدولاب يحتل الحائط المواجه للسرير وهو مقسم 3 أقسام ..

الأوسط مقدس لا يقربه أحد سواه ويحوي بدله وملابسه الرسمية .. ومعطف المطر وأي شيء آخر لا يريد إطلاعنا عليه :)

أقصي اليمين  كانت  يهمني منها الفوط :)  
وأقصي اليسار يمكن فتحه امام العامة ...بغض النظر عن ما يحتويه .

الدولاب بأكمله مقسم جزء له وجزء لجدتي في الثلاثة أجزاء ..
أبواب الدولاب نفسها كانت وسيلة من وسائل المكافأة :)
قم بعمل جيد وسيكون من حقك لصق ملصقات عليه :)
إلي اليوم لم تزل باقية هذه الملصقات 

أعلي الدولاب العديد والكثير من الأشياء لكن هناك 3 أشياء مقدسة .. أقصي اليمين صندوق من الخشب القوي يحتوي علي عدة إصلاح الساعات - هواية جدي الأثيرة - 
وبالطبع كان نزول الصندوق في وجودنا يضمن أن نشاهد فقرة ممتعة تتضمن أدوات لم نراها بهذا القرب من قبل ..
كان أجملها العدسة المكبرة كهذه 

لتتخيلوها تشابه تلك التي كان يرتديها ( سوسو ليفي ) في رأفت الهجان  :)))
وفي الجزء الأوسط ساعة نحاسية قديمة تملأ بالزنبلك كل يوم .. ( نعم تماماً كما خمنتوا .. كانت إحدي مكافأت الأطفال المطيعين أن يملأوا الساعة :) ) وتدق في رتابة كل ساعة بعدد دقات يشير إلي الوقت ..
لم تعطب هذه الساعة إلا يوم وفاة جدي ...
ولم تجد أبداً من يصلحها بعد رحيله ......
=====
أقصي اليمين مروحة لا تعمل إلا صيفاً .. ورغم أن كان بها ميقاتي يمكن ضبطه علي الوضع مستمر ..

إلا أن كان جدي علي يقين أن أحد أسباب إطالة عمرها هو ضبطها علي ساعة إلا قليلاً ومن ثم إعادة تشغيلها مرة أخري ..
لم نفهم أبداً السر في هذا التكنيك .. لكن صمود المروحة طيلة سنوات حياتنا كان يؤكد أن (جدو) بالتأكيد يعرف ما يفعله ..
وكالعادة ..  كان إدارة الميقاتي تحت إشراف الجد بالطبع .. نوع آخر من المكافأت ..:)
هكذا كانت حياتنا في هذا المنزل ..
سلسلة لا تنتهي من المكافآت التي ننالها بشرف :)
يجاور الدولاب جزء خشبي أعلاه التلفزيون العتيد ماركة نصر .. وأسفله جزء مغلق يحتوي الجرائد اليومية القديمة ..

بين الدولاب والجزء ده 10 عصي متعددة الطول والأشكال منها معقوف للتعكز واخري مدبب وغيرهم ..

وكالعادة كان لكل عصا رقم ووظيفة .. وحين يهيب بنا ان عصا رقم 1 فهي بالتأكيد للتعكز او للاتيان بالبطيخ من تحت السرير :) وهكذا دواليك ..

بجوار الباب صيدلية خشبية صغيرة بها زجاجتين أبديتين .. 

ميكروكروم مميز بلونه الأحمر وهو لا بأس به في الجروح ..

وزجاجة ملعونة أخري ذات سائل أسود كريه الرائحة كتب عليها ( صبغة يود ) وكان يومنا يكون من أسوأ ما يكون حين نجرح جرح يحتاج للزجاجة الملعونة السوداء

وأخيراً .. ستارة أمامها مقعد يتيم يمكن أي ضيف أن يجلس عليه ( بعيداً عن صاحب قدس الأقداس )  ويجاور باب الغرفة في رسالة واضحة


خلف الستارة الباب الذي يشترك مع غرفة الصالون والمغلق بمكتبة افتراضية ومن اسفل صندوق حديدي مغلق بقفل يضع فيه جدي معاشه الشهري وهو بديل الخزانة ..

الغرفة  يسقط من منتصفها لمبة معلقة بجنزير حديدي ايضاً .. لكن لا يتم اضائتها أبداً .. وكان جدي يستشيط غضباً لو أضائها أحدهم .. وكان يعتمد فقط علي الضوء القوي للمبة التي تعلو مائدته الصغيرة ...

وهو أمر كان يمنح الغرفة جواً رائعاً من الهدوء والسكينة .. فالإضاءة غير مباشرة وفي ذات الوقت كافية وتزيد للرؤية ..

وعموماً لم يكن جدي يستخدم الضوء الصناعي الا في حالة الغياب الشمس تماماً ..

قبل ذلك لديه شباكين لا يغلقا ...

الغرفة المقابلة لغرفة جدي هي غرفة البنات .. امي وخالاتي .. 


بها سرير ضخم .. وكنبة متوسطة الحجم ... وشباك لا يتضح من مشهده انه يفتح اصلاً .. وبلكونة تطل علي ممر داخلي صغير لخلفية المنزل

ودولاب متوسط الحجم ودولاب آخر معدني ماركة ايديال  .. ويبدو أن شركة ايديال كانت محتكرة السوق المصري في الستينات :)

وكالعادة باب آخر ملحق بالغرفة غير باب مدخلها ويفضي الي الطرقة التي بها المطبخ والحمامين .. وكما شرحت آنفاً هذا سببه تسهيل دخول وخروج الفتيات للمطبخ والحمام دون أن يلمحهن أحد .

لكم عشقت كل هذه التفاصيل ...كم هو جميل أن يعمل من صمم المنزل علي مراعاة كل تفصيلة صغيرة وكأنه صاحبه ..

لربما لهذا كان الزمن وقتها أجمل ..

أعود إلي المنزل ..  إلي اليمين حمام ضخم هو للاستحمام والغسيل وغسيل السجاد وكل ما يحتاج لمساحة واسعة .. كان يصلح أيضاً لمبيت الخروف إبان عيد الأضحي ..

ثم المطبخ العزيز .. مملكة جدتي الأثيرة

وكأني بي أسمع لصوتها الدافئ المغرق في الحنان يسألني ويخيرني إذا ما كنت أفضل هذا الطعام أو ذاك ؟؟ لم تتقيد مطلقاً  بما تصنعه .. بل بما أريد ..

لم يكن يزعجها أن تصنع عشر أصناف من الطعام في ذات اليوم .. المهم أن يروقني أحدها في النهاية ...

كانت صانعة  ماهرة للفطير .. وكانت وجبتي المفضلة التي لم أملها أبداً ..

وصانعة رائعة للمخلل .. المطبخ العزيز بكل ما يحتويه من برطمانات زجاجية عملاقة بها من الليمون والزيتون واللفت بلونه الأحمرالمميز ..

عصير الطماطم الذي كنت أنهل منه كوب تلو الآخر .. والذي لم تمسه شفتاي بعد رحيلها ...

جدتي الحبيبة .. تعجز الكلمات عن وصف قدر حبي لك .. رحمك الله وجدي وجزاكما عني خير الجزاء ..

تبقي لنا الجزء المقابل للمطبخ وهو ركنة صغيرة تنتهي بباب مفضي أيضا للصالة إلي جوار الثلاجة مباشرة .. وهو كما اعتدتم .. مهمته الخروج بأصناف الطعام دون جرح الجزء الخاص بالحمام ..في حالة الولائم ..


وهو لم يستخدم كثيراً .. فصار عبارة عن صندرة أرضية صغيرة أضع بها دراجتي   ..

أما عن الصندرة .. ذلك الجزء الرائع في المنزل .. الذي يحوي ما لاعين رأت ولا أذن سمعت مع كمية ضخمة من الغبار والعناكب .. 

طريقة الصعود اليها كانت سلم خشبي عملاق يمتد لمسافة مترين طولاً ومسند لجوار الحمام الكبير ..

وكان من الثقل بما يكفي لمنعي من ارتكاب حماقة بتحريكه محاولاً الصعود وحدي ...

كان جزء الصندرة هو أجمل مكافأت منزل جدي ..

وعلي حد علمي لم يحظ أحد بشرف الصعود هناك من الأحفاد سواي ..

كل هذا وأكثر مر بذاكرتي بالأمس ..

وأنا أري رقية تهرع لتلامس السلم الخشبي الضخم ...

وأري فدوي مبهورة بكم الأبواب في المنزل ...

وكلتاهما مشدوهتان بإرتفاع السقف الذي يمنحك رحابة صدر وتفاؤلاً وحرية وإنطلاقاً ..

وتساءلت بيني وبين نفسي ..

تري لو كان جدي وجدتي لا يزالا علي قيد الحياة وكان هذا المنزل في أوج بهجته وسحرهما ..

هل كانتا لتحباه أكثر ؟؟

وتعشقاه أكثر ؟؟

كل تفصيلة  وكل متعة  في هذا المنزل لم تزل حاضرة .. نابضة بقوة ...

اللهم ارحم جدي وجدتي وأجعلهما في زمرة الصديقين والنبيين والشهداء وخير أولئك رفيقاً ..